تدويناتمواضيع سياسية

المقاومة الفلسطينية: تاريخ نضال وشجاعة لا تنتهي

على مر العصور، كانت المقاومة رمزًا للقوة والعزيمة التي يتمسك بها الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال. عندما توفي ديفيد بن غوريون وأرييل شارون، كانت المقاومة لا تزال حية. واليوم، مع تقدم الوقت، ستنتهي حياة الشخصيات السياسية مثل جو بايدن وبنيامين نتنياهو، لكن المقاومة ستبقى حية ونابضة. لأن المقاومة هي فكرة، والفكرة لا تموت. إنها تُورَّث من جيل إلى آخر، وتنتقل من الأجداد إلى الأبناء كما تنتقل النار عبر فتيل القنديل، لا تنطفئ حتى وإن اشتدت الرياح.

هذه الفكرة تتجلى في النضال الفلسطيني الذي امتد لعقود طويلة. منذ أن واجه الفلسطينيون وعد بلفور وما تلاه من احتلال، وهم يتمسكون بأرضهم، بإيمان راسخ لا يهتز أن هذه الأرض هي حقهم المشروع. عاصر العالم محاولات متعددة لإنهاء هذا النضال، من تهجير وقتل واحتلال للمنازل والأرض، لكن الشعب الفلسطيني لم يركع ولم يتخلَّ عن حقه. المقاومة ليست مجرد وسيلة للدفاع عن الأرض، بل هي أيضاً طريقة للحفاظ على الهوية والوجود.

منذ بداية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مرَّ النضال بمراحل متعددة من التطور. في البداية، لم يكن لدى الفلسطينيين سوى الحجارة لمواجهة الاحتلال المدجج بالسلاح. كان المشهد في أزقة المدن الفلسطينية والقرى المحتلة مليئًا بشباب يرشقون الحجارة باتجاه الدبابات الإسرائيلية، وهي صورة أصبحت رمزًا للنضال الفلسطيني في الانتفاضة الأولى. ورغم بساطة هذه الوسيلة، كانت تعبيرًا قويًا عن التحدي والشجاعة.

ومع مرور الوقت، تطور الفلسطينيون من مرحلة رمي الحجارة إلى استخدام الوسائل الأكثر تقدمًا في النضال. مع التقدم التكنولوجي والدعم الداخلي والخارجي للمقاومة، وصل الأمر إلى وضع العبوات الناسفة على الدبابات الإسرائيلية. في مشاهد لا تُنسى من الجرأة والشجاعة، حمل المقاومون العبوات بأيديهم ووضعوها على الدبابات التي كانت ترمز لقوة الاحتلال، وذلك إيمانًا منهم بأن الأرض حقهم ولن يتنازلوا عنها مهما طال الزمن. كانت هذه التحولات في أساليب المقاومة دليلًا على العزيمة القوية والإصرار على استعادة الأرض مهما كانت التضحيات.

في السابع من أكتوبر 2023، شهد العالم مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني، حيث أطلقت المقاومة الفلسطينية عملية “طوفان الأقصى”. كانت هذه العملية تحولاً كبيرًا في مسار القضية الفلسطينية وأثرت على الرأي العام العالمي. إذ أظهرت المقاومة قدرتها على التنسيق العالي والإعداد المحكم، ما دفع العديد من شعوب العالم إلى إعادة النظر في موقفهم من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. العملية كانت بمثابة رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني لم ولن يستسلم، وأنه قادر على استعادة حقوقه والدفاع عن مقدساته بكل ما أوتي من قوة.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت أصوات الدعم للمقاومة تعلو في مختلف أنحاء العالم. شعوب عديدة، من الشرق إلى الغرب، بدأت تدرك حجم المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال. ازداد الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، وتزايدت الأصوات المطالبة بالعدالة والحقوق. ولم تعد المقاومة مجرد قضية فلسطينية داخلية، بل أصبحت قضية عالمية تمس الضمير الإنساني.

على مدار العقود الماضية، أثبت الشعب الفلسطيني أن مقاومته ليست مجرد مقاومة مسلحة، بل هي أيضًا مقاومة ثقافية وفكرية وروحية. الفلسطينيون لم يقاوموا الاحتلال فقط بالسلاح، بل أيضًا بالكلمة، بالرسم، بالغناء، وبكل وسيلة تعبيرية يمكنهم من خلالها إيصال صوتهم للعالم. لقد أدركوا أن النضال ليس مجرد صراع ميداني، بل هو أيضًا معركة لكسب العقول والقلوب.

إن الشعب الفلسطيني لم يقف يوماً مكتوف الأيدي أمام هذا الواقع الأليم، بل استمر في تطوير أساليبه النضالية والمقاومة بطرق مبدعة، مستعيناً بإيمانه العميق بقضيته. في كل مرة يواجه الاحتلال، يتمسك بحقوقه أكثر ويبحث عن طرق جديدة للتعبير عن رفضه للاستعمار. من هنا، أصبحت المقاومة أكثر من مجرد صراع مسلح، بل أصبحت تعبيرًا حيًا عن إرادة البقاء والاستمرار.

في النهاية، يمكن القول بأن المقاومة الفلسطينية ليست مجرد فكرة أو مشروع نضالي مؤقت. إنها عقيدة متأصلة في نفوس الشعب الفلسطيني، تُورث من جيل إلى جيل. هذه المقاومة مستمرة ما دام الاحتلال موجودًا، وما دامت حقوق الشعب الفلسطيني لم تتحقق بالكامل. سيظل الفلسطينيون يقاومون بشجاعة وإيمان، ولن يتوقفوا عن الكفاح حتى تتحرر أرضهم ويعود الحق إلى أهله.

اظهر المزيد

صلاح صافي

من جذور هذا البلد، ولدت حرًا، رُبع ناقد شبه كاتب نصف سياسي، كل ما أكتبه من الواقع وأحيانًا من قلم ساخر لا يمتُ للواقع بِصلة..
زر الذهاب إلى الأعلى